دور مراكز وجمعيات المسلمين في فرنسا بقلم / أحمد عبد السلام مارسو مدير المعهد والمشاريع الدعوية رابطة المسلمين بالألزاس

انطلاقاً من القانون الذي ينظم الشأن الديني في فرنسا، يتم تأسيس الجمعيات التي تعمل على توفير أماكن العبادة للقيام بالشعائر وما ينبثق منها من أمور المسلمين، فالمركز الثقافي والمسجد بالنسبة لكل إنسان مؤمن مُقَدَّم على بيته العائلي في بلاد الغرب، لأنه القلعة التي يحمي بها وجوده ويستمد منها قوته الروحي، ومنها يشيع نور المعرفة على الآخرين، فهو نور الله للمؤمنين في الأرض، يقول نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم: {أبنوا المساجد وأخرجوا القمامة منها فمن بنى لله بيتاً بنى الله له بيتاً في الجنة} وقال صلى الله عليه وسلم { إذا مررتم برياض الجنة فأرتعوا، قيل: وما رياض الجنة ؟ قال: المساجد ، قيل: ما الرتع ؟ قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر }. [الترمذي] كما أن المسجد بالنسبة لكل أفراد المجتمع معلمة حضارية به يعرفون شعائر الإسلام ومنه يتعرفون على عرف وتعايش المعتنقين للدين الإسلامي، وفيه يشاركون إخوانهم المواطنين من المسلمين مناسباتهم وأفراحهم وأقراحهم، ويتم في كل ذلك حسن التواصل بينهم.
فالمسجد معلمة حضارية للجميع فأينما وجد المسلم لا بد أن يوجد المسجد.
كل الحضارات الإنسانية لها أماكن عامة وحدائق عامة وتجمعات عامة، عند ما يأتيها الفرد يحس وكأنه في ملكه الخاص لا فضل لفرد آخر عليه، والمسجد في الإسلام من هذا النوع، مكان عام، الإنسان المسلم يأتي إليه دون أن يحس أنه في حاجة إلى إذن من أحد أو عليه فضل أحد، فالمساجد تنسب لله”بيت الله” وتنسب لما يعمل فيها “المسجد” وتنسب لما يحصل من خلالها “الجامع” وقد يضاف لها اسم من أنشأها أو أنفق على بنائها، اعترافاً بفضله وتكريماً لجهده، وتبقى المسجد ملك عام ليس لأي فرد جزء من ملكيتها، فالمسجد مكان يلتقي فيها المسلم بالمسلم ويتعرف من خلالها غير المسلم على الإسلام والمسلمين، يدخلها زائرها بنظافة تامة، وبأدب خاص، ولغاية شريفة. فدورها الرئيسي: تحقيق العامل الاجتماعي في الإنسانية.
وتعمل رابطة المسلمين بالألزاس بمدينة ميلوز -شرق فرنسا- على بناء معلمة إسلامية وبصمة حضارية كبرى، تهدف من خلال ذلك أن تجعل من مركز النور للتعريف بالإسلام قبلة للزائرين، وروضة ثقافية للمتجولين بين مرافقه، ومحل أمن واستقرار للمؤمنين المتعبدين فيه، ومدرسة ثقافية وتكوينية لكل الراغبين والراغبات في أجنحته، ومحل جمع لكل من يحب التعايش بسلام.
لإن الإسلام دين الخير والسلام والمحبة والعدالة والاحترام {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}[آل عمران 110] {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران104] {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت34] {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة8] {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [البقرة 208-209].
فليس من الطبيعي ـ في اعتقاد رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ أن يعيش الناس على هذه الأرض في شقاق وتمزق وتفرق، وقد أوجدهم الخالق سبحانه من أصل واحد، خلقهم جميعًا من آدم، أبيضهم وأسودهم، شرقيهم وغربيهم، عربيهم وعجميهم، غنيهم وفقيرهم، بل إن أشد ما يتنافى مع الفطرة، ويتعارض مع العقل، أن يوحد الله عباده في الخَلق والمنشأ، ثم يتفرقون في المرجع والمصير، ولأجل هذا اتخذ الإسلام كل أساس وقاعدة تحمي هذا الكيان من الانشقاق والتصدع، وتمكنه من أداء مهمته على الوجه الأمثل ومن بين تلك القواعد: الإخاء.. الذي يمحو أمامه جميع الفوارق بين أفراد هذا الكيان، و امتيازاتهم من نسب أو جاه أو مال، فلقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم من الحب والإخاء في الإسلام عبادة رفيعة يُتقرب بها إلى الله تعالى، ويُستظل بها في ظل عرش الله يوم القيامة .. ومن جملة أحاديثه صلى الله عليه وسلم في ذلك قوله: “المسلمون المتآخون المتحابون كالجسد الواحد” وقوله: ” مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى” وقوله: ” الْمُؤْمِنُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ، إِنْ اشْتَكَى رَأْسُهُ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ” وقوله: ” إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ لِجَلَالِي؟ الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي، يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّي.

اترك تعليق

avatar
  Subscribe  
نبّهني عن