جدة- المدار –
قدّمت الناقدة الدكتورة لمياء باعشن خلال الحلقة النقدية التي نظمها نادي جدة الأدبي أمس ورقة نقدية بعنوان (من الصفر الى الصفر :لا شيئية العرب ) قالت فيها العرب غير نافعون ولم يقدموا شيئاً لصالح البشرية، ولو قتلناهم جميعاً لما خسرنا شيئاً”. سمعت هذه الكلمات من مذيع على قناة البي بي سي ذات يوم، وقرأت بعدها أن الإذاعة قد أوقفته عن العمل. لكن هذه العبارة المسيئة للعرب تتكرر بصيغ مختلفة في كثير من وسائل الاعلام الغربية التي تطلق خطابات الكراهية، وقد تعتذر بعدها، لكن الأثر الذي تتركه لا يزول، ويظل يترسب في عقول السامعين والمشاهدين، ثم يتحول إلى قناعة راسخة رغم عدم معقوليتها. في أيامنا هذه ترتفع وتيرة الانتقاص من العرب، والمسلمين، والتقليل من قيمتهم على مقياس الإنسانية، وتزداد التحديات التي تضعهم على محك استحقاق العيش على هذه الأرض، فهم الشعب الوحيد الذي يجب عليه أن يثبت نفعه للحياة وإلا فليغادرها.
لكن الأسوأ من هذا كله أن تتسرب هذه الآراء البغيضة إلى آذان الشباب العربي، فيرددونها غير عابئين بخطورتها، ويتهكمون على ماضيهم وحاضرهم، وينقمون على من خدعهم بأكذوبة كبرى اسمها الحضارة العربية. معظم هؤلاء الشباب يعيشون ويدرسون في الخارج، وربما كانوا يواجهون هذا الخطاب الذي ينجح في اقناعهم بعدم جدواهم ويحبطهم، ولكنه يجد صدى في أنفسهم، ذلك أنهم لم يقرأوا ولم يكلفوا أنفسهم بجهد الاطلاع حتى يناقشوا ويحاججوا، فيخنعوا وينقموا بسهولة.
واستشهدت باعشن بعدد من الاراء حيث اشارت الى ما كتبه الكاتب الشاب سعيد الوهابي في مقاله “لو بقيت غادة المطيري في المملكة لأصبحت مُدرسة جغرافيا في الدوادمي إن كان من حقنا أن نفتخر بالدكتورة غادة المطيري كون انجازاتها في واقع الأمر غير سعودية، بل إن نجاحها يحسب لأمريكا التي درستها ورعت موهبتها وهيأت لها ظروف العمل المناسبة، في حين أنها لا تمثل المرأة السعودية، بل هي أقرب أن تكون غادة المطيري الأمريكية. بعدها علق الكاتب الشاب عبد الله الجمعة على مقال الوهابي في تغريدات عبر من خلالها عن أن العلماء العرب في الخارج لا يمثلوننا وهم نتاج بيئة غير بيئتنا، فلا حق لأحد منا أن يفتخر بهم لمجرد أنهم يشاركوننا صدفة من الطبيعة جعلتهم عرباً”. هكذا يهزأ الشباب من الوضع العلمي المحزن في بلادهم، في حين أن العالمات السعوديات يملأن الجامعات ومراكز الأبحاث والمعامل السعودية ويقمن بما تقوم به غادة وغيرها في الخارج، لكن ثقتنا في أنفسنا منزوعة، وإن لم يصادق الغربيون على جدية واستحقاق طروحاتنا فسنلغيها ونتعامي عنها، وهم إن زكوا لنا شخصاً فسنحمله على رؤوسنا لأنه يحمل شهاداتهم ويفوز في مسابقاتهم ويحصد جوائزهم.
وقالت باعشن إن تعزيز مقولة “العقل العربي عاجز عن إنتاج المعرفة” هي أخطر تدمير للعقل العربي، وعندما نعلي من شأن الانجازات العلمية القديمة ونشيد بها، فنحن نضع المثال أمام النشء ونحفزه بالأسوة، لكن المعول الذي يستهدفنا يضرب في الجذور ويقتلع قناعاتنا حتى بما استطعنا انجازه في العصر الذهبي العربي. احترام التراث وتقدير جهود العرب لم تكن نتيجة لتقديسنا للماضي وتعظيم أسلافنا وتمجيد منجزاتهم فقط، بل إننا قرأنا تلك الشهادات التي تغنى بها الغرب ذاتهفي كتبه، فبرنارد لويس هو الذي كتب العرب في التاريخ وقال إنهم ثورة في تاريخ الاسلام تماثل الثورة الفرنسية والثورة الروسية في أهميتها، وأوليغغرابار هو الذي صور المنجزات الثقافية والتراث الثقافي للعرب في كتابه عبقرية الحضارة العربية، وزيغريدهونكه هي التي قالت في كتابها شمس العرب تسطع على الغرب إن هذا الكتاب يرغب أن يفي العرب ديناً استحق منذ زمن بعيد”، وغوستاف لوبون هو الذي قال في كتابه الحضارة العربية أن العرب هم من مدنوا أوروبا، وغير هؤلاء كثير.
وكأن التذمر المستمر من الوضع السيء، والحال المتردية، والوضع المزري لثقافتنا وعلومنا لا يكفي، فبدأت الأقاويل المشككة تُعرّض ماضينا إلىالزعزعة، وذلك لا يكون بإنكار المنجز الملموس، بل بإنكار اسهام العرب فيه، وذلك عن طريق الفصل القسري بين الهوية العربية والهوية الاسلامية. وإن كان هناك من ينسب انجاز المطيري وزويل لأمريكا رغم أنهما عرب، وهناك من يفاخر بانجازات اليهود رغم أنهم أوروبيين أو أمريكيين، فهناك من يعكس ذلك ويدعي أن العلماء من المسلمين لم يكونوا عرباً ولا حق للعرب أن يفاخروا بهم: فلا الخوارزمي ولا ابن سيناء ولا الرازي ولا الفارابي وغيرهم من العرب، وحتى سيبويه إمام النحاة ليس عربياً، بل والصفر الذي يتباهون به هو في الحقيقة صفر هندي. وهذا الأمر ليس غريباً فالحضارة العربية إسلامية أيضاً، لكن محاولة نزع الإسهام العربي فيها بتأكيد الأجناس الأخرى تهدف إلى تغذية نفس مقولة أن العقل العربي عاجز عن انتاج المعرفة، وأنه سرق جهود وفكْر الفارسيين والهنود، والأكراد والأمازيغ والأتراك وغيرهم ونسبها إليه. يدعيأصحاب تلك الأجناس أنفسهم أنليس هناك شيء اسمه الحضارة العربية، فإن تنصلوا من الهوية الإسلامية الجامعة، وانفرد كل جنس بما أنتج، ففي ذلك تعرية للعرب الذين أوفواباندماجهم في الهوية الإسلامية ودفنوا عروبتهم كهوية أولى.
أما ما قدمه العرب للغرب فهناك من يقول إن اسهام العلماء لم يتجاوز الترجمة ونقل المعلومات من الحضارة اليونانية، فالعرب حضارتهم مجرد ناقل سلبي دون عطاء أو إضافة. قبل وصول العرب إلى مرحلة الترجمة كانوا قد بدأوا بتدوين كل معارفهم، لكن المهاجمين يدسون أن النهضة حتى في مراحلها الأولية كانت امتداداً للثقافات الموروثة من البابليين والسومريين والآشوريين والفراعنة والفينيقيين والفرس، أي أنها تكدس معارف استقتها من منابع لا تنتمي إليها بلا هضم أو ابتكار. ويتم الاستشهاد بأقوال ابن خلدون المجحفة في حق العرب: “من الغريب الواقع أن حملة العلم في الملة الإسلامية أكثرهم العجموان كان منهم العربي في نسبه فهو أعجمي في لغته ومرباهوالسبب في ذلك أن الملة في أولها لم يكن فيها علم ولا صناعةوأما العلوم العقلية أيضا فلم تظهر في الملة إلا بعد أن تميز العلم ومؤلفوه واستقر العلم كله صناعة فاختصت بالعجم وتركتها العرب”.
ولئن آلمنا هذا الانسلاخ عن الهوية الاسلامية الذي يعزل العرب عن انجازات عصرهم الذهبي، فإن هناك من ينفي حتى الهوية الاسلامية عن أولئك العلماء، فكيف يمكن أن يكونوا مسلمين بعد أن اتهامهم بالزندقة والردة والألحاد وتم وتكفيرهم وحرقهم وقتلهم؟ ففقهاء عصرهم قد أخرجوهم من الملة ورفضوهم وأقصوهم، فهم بذلك ما عادوا مسلمين ليفخر المسلم بانجازاتهم. ولكن هل انسلخ كل من غالاليو,وجيوردا,وكوبرنيكس, ونيوتن, وديكارت, وفولتير وغيرهم من حضاراتهم حين بالغت الكنائس ومحاكم التفتيش في مطاردتهم ونفيهم وسجنهم وقتلهم، بل وتكفيرهم؟ وربما قد تعرض بعض العلماء للنبذ والطرد من قبل بعض الجهلة والمتزمتين، لكن هذا لا يعني أن غيرهم لم يحظ بالدعم والرعاية والتشجيع من ولاة الأمر وغيرهم.
إذا كانت تلك الحضارة إسلامية، فلماذا لا يحاسب على ضياعها غير العرب وهم الذين حافظوا عليها حين الحكم بأيديهم؟ لماذا يقفون وحدهم اليوم في مواجهة العالم ليحاسبهم على عدم قدرتهم على استرجاع ماضيهم العلمي التليد، وليطالبهم بإثبات أحقيتهم في الحياة؟ أين اسهامات الإيرانيين والأتراك والأفارقة وكثير من الشرق آسيويين، بل وغيرهم من شعوب الأرض من أهل الحضارات البائدة، في اختراعات العصر الحديث وفي خدمة البشرية؟ إن تدهور الحضارة العربية الاسلامية ليس استثناء غريباً لمسيرة التاريخ التي تعطي الحضارات دورة حياتية تصاعدية ثم تأخذ في الهبوط والاندثار كما يقول ابن خلدون وأوزولدشينغلر، وإذا كان الغرب فخوراً بحضارته المستمرة على مدى 400 عام، فحضارة العرب قد سادت ما يقارب 800 عام ثم انحدرت لأسباب عديدة ووجيهة.
إن الفرد إذا ولد وعاش في بيئة ما، ثم تحدث لغتها وطبق عاداتها واعتقد عقائدها وشعر بالانتماء لثقافتها، فهو بذلك ابن تلك البيئة، فالانسان من يثبت لا من حيث ينبت” كما قالت العرب. ودور العرب في الحضارة العربية الاسلامية، وفي الحضارة الانسانية، هو دور حقيقي قاموا به على خير وجه واستفادوا ممن سبقوهم وأفادوا من لحقوهم. لقد نزل الاسلام على شعوب متمدنة وذات حضارة، وليس كل العرب تمثيلاً نمطياً للبدوي الذي يجوب الصحاري بحثاً عن الماء والكلأ، فالمدن العربية في حواضر الأراضي العربية كانت نتاج حضارات تليدة متتالية، كما كانت متواصلة مع جيرانها في مهد الحضارات الانسانية.
وقالت باعشن أنّ العالم العربي يعاني من حال التخلّف، وأن العرب يعون جيداً توسّع وتعمّق تلك الفجوة التي تفصلهم عن الحضارة الحديثة المتسارعة، هو أمر لا يمكن تجاهله أو نكرانه، ولنا أن نتساءل عن علة هذا التخلف،وأن نلوم أنفسنا على بعدنا عن تعاليم ديننا الحنيف أو على تطرفنا في التمسك بها، ولنا أن نتهمنزعاتنتاالاتكالية أو أنظمتنا الحكومية والتربوية والتعليمية، وأن نـُـنظّر في تركيبة طبيعتنا وفي بُنى عقولنا، فكل ذلك من الأسباب وارد،لكننا حتماً لن نستطيع تجاهل ظروفنا الصعبة التي ابتلينا بها، فنحن شعب منكوب بالانتهاك والنهب، وبالضغوط والتهديدات، وبالتجزئة والتفتيت. إن هذا الغرب الذي يفتي بعدم نفعنا ويعايرنا بعدم إسهامنا في حضارته المادية الاستهلاكية، لهو أكبر عائق لتقدمنا ومتسبب في تعطيلنا، ولو كان لدينا شك في ذلك فيكفينا متابعة عمليات تدميرنا اليوم بعين واعية.
بتكرار ذات الأسطوانة مرات ومرات عن إفلاسنا وعن فشلنا الذريع، يتمادى الغرب في جهوده لإقناعنا، وإقناع العالم من حولنا، بأننا لا ننفع ولا ندفع، بل بأننا عالة عليه، وبأننا نعيش خارج الزمن، فالصيرورة لدينا صفر، وبأننا نعطل مسيرة التقدم البشري وذلك بتصديرنا لأفكار العنف والإرهاب. إن نحن ابتلعنا الطعم محبطين ومنهزمين، فسنؤمن من أعماقنا أننا لا شيء، وأننا فعلاً لا نستحق الحياة، ولا حاجة حينها لدول العالم المتحضر أن تحتال وتفبرك لتتخلص منا في ساعة الصفر.
وشهدت الحلقة التي أدارها الناقد الدكتور محمد ربيع الغامدي مداخلات من الحضور .
تسجيل الدخول
تسجيل الدخول
استعادة كلمة المرور الخاصة بك.
كلمة المرور سترسل إليك بالبريد الإلكتروني.
صحيفة إلكترونية تنقل الحدث على مدار الساعة
اترك تعليق