” مراحل التعامل مع الكتاب الكريم ” محاضرة في منتدى ” الخوخه “

جده – المدار
القى الدكتور سمير باعيسى محاضرة بعنوان ” مراحل التعامل مع الكتاب الكريم ” ضمن النشاط الثقافي لمنتدى ” الخوخه ”
واكد المحاضر في بداية محاضرته ان الكتاب الكريم هو موسوعة المعارف الإسلامية العليا ، التي يجب علينا الابتداء من عندها إذا ما أردنا معرفة مجهول ما ، وهو كلام الله الميسّر بلسان رسوله الكريم صلى الله عليه وآله وسلم إلى الناس كافة ، مؤمنهم وكافرهم , عالمهم وجاهلهم ، غنيّهم وفقيرهم ، المبصر والأعمى , ليقيم الله بهذا ” الكتاب ” الحجةَ على كل من بلغه ، ولا تكونُ حجةً بالغةً ما لم تكن بيّنةً معقولةً ، حتى يفقهها كل من سمعها ،
واشار الدكتور باعيسى الى الفرق بين أن نقرأ الكتاب الكريم ، وبين أن نتلوه ، وبين أن نتدبره ، وبين أن نتذكره ؟
وقال .. إذا تتبعنا توظيفات ” القراءة ” في القرآن ، نجدها في أول درجات التعامل مع القرآن ، فهي أول ما يبدأ به العبد حال إفتتاح كتاب الله ، قال الله تعالى : ” اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ” . ( العلق : 1 ) .
والقراءة لا تقتضي بالضرورة الفهم والعقل ، فقد تقرأ وتعقل ، وقد تقرأ ما لا تعقل ، كما لو كنت تقرأ لغة أخرى أنت تعرف حروفها ، ولكنك لا تعرف مفرداتها ودلالاتها وتراكيبها ، ثم قد تقرأ غيباً وقد تقرأ نظراً من كتاب .
والقراءة بدلالاتها هذه ، حيثما وجدناها دلت إلى ما نشير إليه ، ولعل أظهرها إشارة ، الآية التي في آخر سورة الشعراء ، قال الله تعالى :
” وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ ” . ( الشعراء : 198 – 199 ) .
فالآية تجمع بقوة بين الأعجمي و بين القراءة ، إذ هو في الغالب لا يعقل ما يقرأ ، فترى العرب والأعاجم في شرط الصلاة سواء ، كلهم يقرأ ما تيسر من القرآن ، حتى ولو لم يعقل الأعجمي ما يقرأ ، قال الله تعالى :
” فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآَنِ ” . ( المزمل : 20 ) .
فتلك هي أولى درجات الدخول إلى ” الكتاب ” ( وأكثر الناس في وقتنا الحاضر ما زالوا في هذه المرحلة ) ، وعلي هذه الدرجة تبنى الدرجات الأخر . وقد ضمن لنا النبي محمد عليه وآله الصلاة والسلام في هذه المرحلة بكل حرف عشر حسنات ويضاعف الله لمن يشاء ، ليضمن بذلك لكل مقبل على الكتاب أجره ، عقل أو لم يعقل ، فما بالك بالأعزم الأشد إقبالاً ؟ .
واوضح المحاضر ان التلاوة تعنى القراءة بالتتابع . وهذا المعنى يوحي بالترابط والتواصل والتسلسل ، فيما لا تشترط القراءة في ذاتها هذه المعاني ، فقد تقرأ سطراً وتقف ، وتقرأ فقرة وتنتقل إلى غيرها لا تليها . ولعله من أجل ذلك نزل أول ما نزل ( إقرأ ) ، إذ لم يكن قبلها ما يتلى . فالآيات المتتابعة المتسلسلة هي المتلوة ، والمعاني المترادفة المسترسلة في الموضوع الواحد والقصة الواحدة هي المتتالية المتلوة ، وهي جلية في أسلوب القرآن وسرده ، قال الله تعالى :
” تِلْكَ آَيَاتُ اللهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ ” . ( البقرة : 252 ) .
كان ذلك في ختام قصة طالوت وجالوت ، بعدما تتابع سرد الموضوع القصصي .
والتلاوة على خلاف القراءة ، تقتضي لذاتها العقل والفهم من التالي والمتلو عليه ، فلا يُتلى ما لا يعقل ولا يعرف قصده ، ولا يوقف له على أول من آخر ، بل هذا كله مقتضى مشروط للتلاوة .
قال تعالى : ” وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا ” .
( القصص : 59 ) .
فلن يهلكهم ما لم يعقلوا المتلو المحذور !. فالتلاوة بهذا ، تأتي بعد القراءة وفوقها وأقوم قيلاً ، قال تعالى : ” الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الخَاسِرُونَ ” . ( البقرة : 121 ) .
وابان ان التدبر : من دَبرَ ، والدبُر هو من الآخر والعقب . وتدبير الأمور ، هو النظر فيها بعمق وإحاطة ، وتوجيهها وتصريفها على الوجه الأحسن ، و إعتبار عواقبها ونهاياتها .
وتدبر القول كتدبر الأمر ، من النظر فيه ، وإدراك مراميه ومقاصده ، وتتبعه من إبتدآته حتى أدباره وأعقابه .
قال تعالى : ” قَدْ كَانَتْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ * مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ * أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا القَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الأَوَّلِينَ ” . ( المؤمنون : 66 – 68 ) .
وتدبر الكتاب الكريم هو السبيل إلى الفهم والفقه ، بعد الوصول إلى إدراك إتفاق الآيات وانسجامها وتسلسلها واستشعار مكامنها .
قال تعالى : ” أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ” . ( النساء : 82 ) .
والتدبر ليس لفئة دون فئة ، أو طبقة دون أخرى ، بل هو أمر الله العام لكل من بلغه الكتاب ، مؤمن أو غير مؤمن ، عالم مستبصر أو دون ذلك ، قال تعالى : ” كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ ” . ( ص : 29 ) .
كذلك لا يشترط القرآن على المتدبر غير مناطات العقل ، من السمع والبصر ، فمن ملكها ملك نصاب التدبر .
قال تعالى : ” أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ * أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ” . ( محمد : 23 – 24 ) .
فإذا تدبر غير المؤمن ، متجرداً للحق قاصداً صوابها ، آمن بإذن الله .
ولمن تدبر مواقع ( التدبر ) في القرآن وجدها جميعاً بحق غير المؤمنين ، فهي بهذا ، الباب الأول للإيمان ، فلا يترك المتدبر ( التدبر ) بعد إذ آمن واهتدى ، بل هو بعد إيمانه أولى بالتدبر…
ولفت باعيسى ان التذكر أعلى درجات مراحل التعامل مع الكتاب الكريم ، فهي بباب الولوج والتداخل مع ” الكتاب ” والرفعة إلى منازل كبرى أعلى درجة ( منزلتين خاصة ) ، فترى الله سبحانه وتعالى يقصرها ويحصرها بفئة خاصة ، على أمثالها تُعقد المعاقد ، وتُنصب الشواهد ، بما أولاها الله من موازين القسط ،
واستشهد الدكتور باعيسى بادلة من الكتاب الكريم والسنة النبوية المطهره على اهمية التذكر والتدبر مقدما شرحا مفصلا عن اولي الالباب الذين ذكروا في كتاب الله الكريم .
بعد ذلك فتح باب الحوار للحضور حيث تم طرح عدد من الاسئلة والمداخلات حول موضوع المحاضرة ..

اترك تعليق

avatar
  Subscribe  
نبّهني عن