جدة- -المدار
دعا البروفيسور صالح لمعي مدير عام مركز إحياء تراث العمارة الإسلامية بالقاهرة والمشرف على ترميم مسجد الشافعي بجدة إلى أهمية احياء التراث الاسلامي والاهتمام بالجوانب الفنية المعمارية للمساجد التاريخية، منوهاً بما تبذله المملكة العربية السعودية من الاهتمام بالتراث العمراني والاسلامي وذلك من خلال العديد من البرامج من أبرزها الملتقى العمراني الوطني الذي تنظمه الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني وينتقل سنوياً من مدينة إلى أخرى، لافتاً إلى أن مثل هذا اللقاء العلمي المتخصص يعد الوحيد من نوعه دولياً فلا يوجد مثيل له في أي دولة حتى في مصر، منوهاً بجهود حكومة المملكة في مجال الاهتمام بالتراث العمراني وبرامج تأهيل المساجد التاريخية وغيرها من المشاريع التطويرية السياحية.
جاء ذلك خلال المحاضرة التي ألقاها في بيت البلد بجدة مؤخراً بعنوان (تجربة ترميم مسجد الشافعي) بحضور مستشار مركز التراث العمراني الوطني وعدد من المهندسين والمسؤولين في أمانة جدة والمهتمين بالتراث العمراني وملاك البيوت التاريخية.
وأشاد البروفيسور لمعي ببرامج ومشاريع تهتم بالعناية بالحرف اليدوية وبالآثار التاريخية القيمة والنادرة التي تزخر بها السعودية من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها الى غربها، مبيناً أن ما تزخر به المملكة من تراث عمراني وآثار تاريخية يتطلب اعداد وتأهيل كوادر سعودية من مهندسين وحرفيين وعمالة متخصصة من خلال اطلاق برامج تدريبية وجامعية وانشاء اقسام في الجامعات والمعاهد لدراسة البكالوريوس والماجستير والدكتورة في مجال الاثار والحرف اليدوية.
وزاد قولة : “المملكة العربية السعودية لديها كمية كبيرة من التراث والآثار، اتمنى أن أرى هناك شركات متخصصة في مجال الترميم والتراث العمراني، تماماً مثل شركات المقاولات العملاقة الموجودة حالياً”، مشدداً على ضرورة تنفيذ مبادرات حالية ومستقبلية للاهتمام والتأهيل والتنمية بمكونات التراث الثقافي الوطني، إلى جانب رفع الوعي المجتمعي بالتراث والاثار والتعريف بها، ليتعرف ابناء المملكة على تراث وطنهم ومعالمه التاريخية.
وتنقل البروفيسور بين الكثير من المحاور الفنية المتخصصة من خلال العرض المرئي الذي قدمه للحضور عن تجربته في ترميم مسجد الشافعي التاريخي التي عدها تجربة فريدة والأولى من نوعها بهذا المستوى العالي، حيث شمل العرض رسومات وبيانات وصورا وإحصائيات وتحاليل، كما شرح الكثير من المصاعب والمعاناة التي واجهتهم أثناء الدراسة المسحية والعمل التنفيذي حتى انتهاء المشروع، مشدداَ على أهمية وجود برنامج شامل لمسجد الشافعي بعد الانتهاء منه، وينفذ بدقة للصيانة الدورية الأسبوعية والشهرية والربع سنوية والنصف سنوية والسنوية وذلك للمحافظة على عمر المبنى وعدم الحاجة لإعادة ترميمه مرة أخرى.
وفي محور منهجية المشروع بين لمعي أن الهدف الأساسي لمشروع ترميم المسجد الشافعي في جده التاريخية هو الحفاظ على الأصالة و التكامل لعناصر المبني من خلال الحفاظ على أصالة التصميم، الحفاظ على أصالة المادة، الحفاظ على أصالة الحرفة اليدوية، الحفاظ على أصالة الموقع الفريد داخل المدينة القديمة، و على ذلك فقد تمت أعمال الحفريات الأثرية خلال أعمال الدراسة التاريخية و الأثرية للمبني و توثيق الكتابات التاريخية و تأصيلها و كذلك تحليل العناصر المعمارية و تحديد التأثيرات المحلية و الوافدة لتأصيل هذا المعلم المعماري الهام في تاريخ مدينة جده، و بناء عليه فقد تم التوثيق المساحي و المعماري باستخدام الوسائل الحديثة: محطة الرصد المتكاملة و التصوير المقوم و التصوير الفوتوجرامترى للحصول على رسومات دقيقة للمبني موضحا عليها الأضرار.
وتابع، بعد ذلك تم أخذ عينات من مواد البناء و مواد النهو و الألوان و إرسالها إلى المختبرات لإجراء الفحوص العلمية عليها لتحديد كافة الخصائص الميكانيكية و الفيزيائية و الكيميائية لتوظيفها في عملية الترميم طبقاً للأصول الدولية و تنسيقاً مع المواثيق الدولية الصادرة من اليونسكو و المجلس الدولي للآثار و المواقع ( الايكوموس )، و تم عمل نماذج حسابية على الحاسوب للتعرف على الوضع الإنشائي للمبني و كذلك إجراء كافة الفحوص اللازمة للتربة و الأساسات لضمان سلامة المبني مستقبلا باتخاذ كافة الاحتياطات الإنشائية اللازمة لتقوية عناصر المسجد سواء بالنسبة للأساسات أو الحوائط الحاملة.
واوضح البروفيسور لمعي أنه لا يوجد هناك مشروع بدون اخطاء فالكمال لله سبحانه فعند بداية أي مشروع ترميم لا بد من القيام بدراسة تاريخية ومسحية للموقع الأثري المراد ترميمه وقراءة جميع النقوش والكتابات على الجدران وتفسيرها، مشيراً إلى أن المسجد تعرض لتدهور شديد وتعديات قام بها من يريد الإصلاح ولكنهم للأسف لم يكونوا متخصصين في هذا المجال، معلقاً على من ينتقد مشروع ترميم مسجد الشافعي في بعض وسائل الإعلام:” البعض يتحدث وينتقد وهو لا يعلم ماذا حدث في المشروع، فهم لم يعيشوا تجربة المشروع أو عاصروه او ربما شاهدوه على أرض الواقع، وايضاً هناك من لا يدرك لماذا اتخذت بعض القرارات خلال مراحل التنفيذ ولم تتخذ قرارات اخرى”.
وأردف قولة :” نتقبل النقد دائماً ولكن نرجو ان يكون ذلك من وجهة نظر عملية، وممن لدية خلفية كاملة عن الموضوع المطروح للنقاش”، مؤكداً أن العمل في ترميم مسجد الشافعي تم طبقاً للمواصفات والاشتراطات الدولية، وان كانت هناك عيوب نتيجة تقصير أحد العمالة فإنها بالتأكيد لا تعيب في المشروع الذي يعد الأول من نوعه فالايجابيات بالتأكيد أكثر بكثير وهي تجربة فريدة وثرية لترميم المساجد التاريخية على مستوى المملكة، لافتاً إلى أن صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان رئيس الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني طلب منه شخصياً توثيق جميع مراحل العمل في ترميم مسجد الشافعي وذلك لإصدار كتاب علمي يشرح تفاصيل الجهود والأعمال التي تمت في المشروع.
ورداً على استفسار عن سبب استخدام اللياسه في اعمال الترميم والتي انتقدها بعض المهتمين والمتابعين لمشروع مسجد الشافعي قال لمعي:” من المعروف أن بناء مسجد الشافعي تم بالحجر المنقبي وهو حجر ضعيف جداً وعند بداية المشروع كان متدهور جداً، ولا نستطيع ان نتركه بهذه الصورة، فهذه الظروف وغيرها تدعوا الى ضرورة الحفاظ على المبنى علماً بأنه لا يوجد مساجد تاريخية في جدة بدون لياسة سواء لياسة كلسية أو لياسة حديثة أسمنتية وتشير كل الصور التي عملت في بداية القرن العشرين أن كل مساجد جدة كانت عليها لياسة” .
واستطرد قائلا : “وجود العديد من الشروخ النافذة والفجوات المتعددة بالحجر، فكان من الضروري إعادة اللياسة بالمونة الكلسية لحماية الحجر مستقبلاً وتوافق اللياسة الكلسية مع طبيعة الحجر المنقبى وهذا بالإضافة أن الواجهات الشمالية والجنوبية قد أقيمت بحجارة غير منتظمة الشكل وكان لابد أن تعمل لها لياسة كلسية وليس أسمنتية كما كانت في السابق، ويستخدم الكلس المائي في الترميم في كل دول العالم في الترميم، الكلس المائي الطبيعي أو الكلس المائي الصناعي بإضافة البوتزلانة (مسحوق القرميد) إلى الكلس العادي ليتحول إلى كلس مائي والذي يتصلب في الوسط المائي (رطوبة في الحوائط) وهو ما تم إستعماله في المسجد”.
مضيفاً قولة :” لابد من المحافظة على جميع الفترات التاريخية التي مرت على المبنى والإبقاء عليها كما هي طالما أنها لا تضر بسلامة المبنى، وايضاً عند اجراء اي عمل اضافي على المبنى التاريخي لابد من التمييز بين القديم والجديد، وعدم الاهتمام بذلك يعتبر تزويراً”، متحدياً أن يكون هناك مشروع آخر عمل له تدعيم للحوائط كما عمل ونفذ في مشروع ترميم مسجد الشافعي.
وعن تدريب السعوديين في مشاريع ترميم المساجد التي نفذت سابقاً والقادمة، أفاد أن التدريب العملي لا بد أن يسبقه دراسة جامعية متخصصة بعد ذلك يأتي دور التدريب العملي كمرحلة تدريب تكميلي تتلو الدراسة النظرية، ولكن بدون وجود خلفيه علمية للمتدرب أعتقد أن هذه العملية ليست سلمية، مطالباً الجامعات ان تنشئ اقسام خاصة بالترميم للشهادات العليا للماجستير والدكتوراه وذلك حتى يتفرغ المهندس لتعرف واكتساب اصول الترميم وفقاً للمواثيق الموجودة وكيفية العمل واساليب الانشاء القديمة حتى يمارس العمل على أصول علمية سليمة، مضيفاً أن مشروع تأهيل مسجد الشافعي التاريخي بذل فيه جهود كبيرة استفاد منها جميع فريق العمل من جميع الجهات، حيث اكتسبوا خبرة كبيرة ستؤهلهم إلى تحقيق مستويات افضل بكثير خلال المشاريع القادمة ومنها ترميم مسجد المعمار حالياً وغيره من المساجد التاريخية في جدة.
بدوره أوضح الدكتور محسن القرني أن هناك ثلاثة مساجد تاريخية سيجري العمل على ترميميها وهي مسجد المعمار وهو على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز رحمه الله ومسجد الحنفي على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان حفظه الله ومسجد عثمان بن عفان على نفقة صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن سلمان، إضافة إلى وجود مساجد أخرى سيتم ترميمها من خلال متبرعين في جدة التاريخية وفي مناطق مختلفة من المملكة ، مشيراً إلى أن الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني تعمل على تنسيق الجهود ما بين المتبرعين والمكتب الاستشاري والعمل التنفيذي والتنسيق مع الجهات ذات العلاقة خصوصاً وزارة الشؤون الإسلامية.
وأشاد القرني بأهمية الدور الاساسي لوزارة الشؤون الإسلامية والاوقاف والدعوة والإرشاد التي تعني بجميع المساجد في المملكة، وأن تم تأسيس برنامج للعناية بالمساجد التاريخية في كل من الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني لدعم الوزارة من الناحية الفنية لترميم وتأهيل المساجد التاريخية، وتم اعداد خطة تنفيذية للبرنامج وفقا لاتفاقية التعاون التي وقعت بين والهيئة والوزارة والتي تشمل العناية بالمساجد التاريخية، كما يجري التنسيق مع الجهات ذات العلاقة بالنواحي الفنية مطالباً من جميع المهندسين الموجودين في مدينة جدة من أمانة جدة ووزارة الشئون الإسلامية وهيئة المهندسين والمكاتب الخاصة و شعبة التراث العمراني وكليات العمارة في الجامعات ان يساهموا ويستفيدوا من تجارب ترميم المساجد التاريخية، معتبراً ترميم مسجد المعمار حالياً فرصة ثمينة للاستفادة من التجربة عملياً والهيئة العامة للسياحة والتراث العمراني تدعم وتساند ذلك.
تسجيل الدخول
تسجيل الدخول
استعادة كلمة المرور الخاصة بك.
كلمة المرور سترسل إليك بالبريد الإلكتروني.
صحيفة إلكترونية تنقل الحدث على مدار الساعة
اترك تعليق